لأن التقدُّم المادي ليس ميزانًا يُعرف به الحقّ من الباطل، ولأن ما نحن فيه اليوم ثمرةُ تقصيرنا نحن، لا نتيجةٌ لديننا.
إن كنت مستعجلًا فهذا يكفيك. وإن أردت الاطمئنان أكثر، فالتفصيل بالأسفل.
إن كان الإسلام دينًا حقًّا من عند الله، فلماذا يعيش كثيرٌ من المسلمين اليوم في تخلُّفٍ علميٍّ وفقرٍ واستبداد، بينما تتصدّر أممٌ غير مسلمةٍ قوائم التقدُّم والعلم والثراء؟ أليس ازدهار أمةٍ وتعثُّر أخرى مؤشرًا معقولًا على صحة ما تحمله كلٌّ منهما من أفكارٍ ومعتقدات؟
نبدأ بعرض الإشكال بأقوى صورة ممكنة — لأننا نثق أنّ الجواب يتّسع له.
الاعتراض ليس من نوعٍ واحد، فلا يُرَدّ بمسارٍ واحد. اختر المسار الذي يهمّك.
أن تقيس صدق دينٍ أو فكرةٍ بمقدار ما بلغه أهلها من ثروةٍ أو تفوُّقٍ تجريبيٍّ قياسٌ لا يستقيم؛ فكم من أممٍ بلغت ذروة القوة المادية وهي من أبعد الناس عن العدل والوحي. وهذا المعيار نفسه رفعه المكذّبون في وجه الأنبياء: {أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَّقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا} (مريم ٧٣)، ويذكّرنا القرآن بأممٍ سبقت {كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً} (الروم ٩) ثم زالت. بل قد ينقلب التقدُّم المنفصل عن القيم وبالًا؛ فقد رأى العالم كيف قادت أكثرُ الدول تقدُّمًا حروبًا أبادت الملايين. فالتقدُّم في ذاته لا يُمدح ولا يُذمّ؛ إنما يحسُن بقدر ما يُوجَّه بالهدى إلى نفع الناس.