الخير والعدل والعقل حقائق نشعر بها في داخلنا، لكنّك لن تجدها بين ذرّات المادة ولا في عالم الحيوان. لها مصدرٌ أعلى من الطبيعة، وهنا يعجز التصوُّر الماديُّ عن تأسيسها.
إن كنت مستعجلًا فهذا يكفيك. وإن أردت الاطمئنان أكثر، فالتفصيل بالأسفل.
من منظورٍ ماديٍّ محض، أنتَ ذرّاتٌ ملتحمة، ودماغك من المادة نفسها التي يتكوّن منها الحائط والحيوان. ومفاهيم مثل الخير والصدق والعدل والعقل لا تجدها بين ذرّات الطبيعة ولا عند الحيوان. فإذا كان هذا كلَّ ما هنالك، فبإمكان الإنسان أن يبني قيمه على العقل والتعاطف والعقد الاجتماعي دون حاجةٍ إلى إله، ويكون الإصرار على أنَّ الله ضروريٌّ للأخلاق مجرَّد استثقالٍ للّوازم لا برهانًا.
نبدأ بعرض الإشكال بأقوى صورة ممكنة — لأننا نثق أنّ الجواب يتّسع له.
الاعتراض ليس من نوعٍ واحد، فلا يُرَدّ بمسارٍ واحد. اختر المسار الذي يهمّك.
فتّش في المادة نفسها فلن تجد فيها 'معنى الخير' ولا 'الصواب'؛ الحائط لا يعرف خيرًا ولا شرًّا، والحيوان كذلك، وليس في جسدك عضوٌ ماديٌّ اسمه 'العقل'. ومع ذلك فهذه المعاني حقائق حيّة نشعر بها في داخلنا يقينًا. من أين جاءت إذن؟ ليست من عالم الطبيعة الأعمى الخالي من الغاية، بل من عالمٍ أعلى: عالم التكليف والوحي. ولذلك فالرؤية المادية لا تستطيع أن تُنكر وجود العدل والأخلاق، لكنها تعجز عن أن تجد لها أساسًا. قال تعالى في وصف من عطّل هذه المعاني في نفسه: ﴿أُولَـٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ [الأعراف: 179].